عبد الوهاب الشعراني

240

الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )

وكان رضي اللّه عنه يقول من اغتر بصفاء العبودية داخله نسيان الربوبية ومن شهد صنع الربوبية في إقامة العبودية فقد انقطع عن نفسه وسكن إلى ربه عز وجلّ وحينئذ يسلم من الاستدراج ، وهو هنا فقدان اليقين ، لأنه باليقين يستبين فوائد الغيب ، وكان رضي اللّه عنه يقول : الكشف سواطع نور لمعت في القلوب بتمكين معرفة حملة السرائر في الغيوب من غيب إلى غيب حتى يشهد الأشياء من حيث شهدها الحق فيتكلم عن ضمائر الخلق وإذا ظهر الحق على السرائر لم يبق لها فضلة لرجاء ولا خوف . وكان رضي اللّه عنه يقول سمعت خالى منصورا رضي اللّه عنه يقول المحب لم يزل سكران في خماره حيران في شرابه ، لا يخرج من سكره إلا إلى حيرة ولا من حيرة إلا إلى سكرة « 1 » سكن الشيخ منصور رضي اللّه عنه نهر دفلى من أرض البطائح واستوطنها إلى أن مات بها وقبره ظهر يزار ولما حضرته الوفاة ، قالت له زوجته ، أوص لولدك فقال بل لابن أختي أحمد فكررت عليه القول فقال لابنه ولابن أخته ائتيانى بنجيل من أرض كذا فأتاه ابنه بنجيل كثير ولم يأته ابن أخته بشيء فقال له يا أحمد : لم تأت بنجيل فقال وجدته كله يسبح اللّه عز وجلّ فلم أستطع أن أقلع منه شيئا فبكت زوجته رضي اللّه عنه . 253 - ومنهم الشيخ تاج العارفين أبو الوفا ، رضي اللّه تعالى عنه ورحمه : كان من أعيان مشايخ العراق في وقته له الكرامات الخارقة وقد انتهت إليه رئاسة هذا الشأن في زمانه ، وتتلمذ له خلق لا يحصون من العلماء والصلحاء ، وكان له أربعون خادما من أرباب الأحوال ، ولما أخذ عليه شيخه الشنبكى العهد قال قد وقع اليوم في شبكتى طائر لم يقع مثله في شبكة شيخ وكانت مشايخ البطائح يقولون عجبا لمن يذكر أبا الوفاء ولم يمر يده على وجهه ويسمى اللّه كيف لا يسقط لحم وجهه من هيبته . وكان سيدي عبد القادر الجيلى رضي اللّه عنه يقول ليس على باب الحق تعالى كردى مثل أبى الوفاء ، وهو أول من سمى بتاج العارفين بالعراق ، ومن كلامه رضي اللّه عنه من هيمة أثر النظر أقلقه سماع الخبر ومن انقطع في مفاوز الأشواق لم يلتفت إلى الآفاق . وكان رضي اللّه عنه يقول الذكر ما غيبك عنك بوجوده ، وأخذك منك بشهوده فإن الذكر شهود الحقيقة وخمود الخليقة وكان رضي اللّه عنه يقول الأجسام أقلام والأرواح ألواح والنفوس كئوس والوجد حسرة تلهب ثم نظرة تسلب والقوة محادثة السر عند

--> ( 1 ) يقصد سكرة الحب في اللّه .